السيد محمد الصدر
115
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الإضافة في قوله الله تعالى : مِن شَرِّ مَا خَلَقَ إضافة منشئيّة ، وما خلق أعمُّ من كلّ فاعلٍ مختارٍ على هذا الوجه ، فهو يشمل كلًّا من الجنّ والملائكة وغيرهم . وأمّا الله سبحانه وتعالى فلا يختار لنا إلّا الخير ، سواء قلنا بأنَّ الشرُّ موجودٌ أو غير موجود . أمّا إذا نفينا وجوده فواضحٌ ، وأمّا إذا أثبتناه فلأنَّ الرحمة سابقةٌ ، فالقَدر الإلهي لكلِّ فردٍ إنّما هو في صالحه محضاً ، كما قال الفلاسفة : ليس في الإمكان خيرٌ ممّا كان « 1 » . وهو يشمل الكلَّ والبعض من الأفراد ، وان لم ندرك ذلك . وهذا لا يعني أن نقول : إنَّ التخطيط لمصلحته الدنيويّة ، وإنّما هو لمصلحة كيان الفرد في الدنيا والآخرة . فإن حصل هناك تنافٍ بين المصلحتين اختار الله الأهمَّ في الحكمة ، وهو في الأغلب مصلحة الآخرة ، وان تخلَّفت مصالح الدنيا . فليس في أفعال الله سبحانه شرٌّ ، ولا يصحُّ الاستعاذة منها ؛ لأنَّ الخلاص منها يوقع الفرد على خلاف الحكمة ، بخلاف شَرِّ مَا خَلَقَ فإنَّه موجودٌ ويمكن الاستعاذة منه ، ولذا يدعو بعضنا : كفانا الله شرَّ بني آدم . * * * * قوله تعالى وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ : قال الراغب : غسق الليل شدّة ظلمته ، والغاسق الليل المظلم « 2 » . أقول : حسب فهمي فإنَّ الغاسق أوّل الليل ؛ لأنَّه الفاعل للظلمة
--> ( 1 ) أُنظر : الشفاء : 222 ، الفصل السادس : في العناية وبيان كيفيّة دخول الشرّ في القضاء الإلهي ، ونهاية الحكمة : 313 ، الفصل الثامن عشر : في الخير والشر . ( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 373 ، مادّة ( غسق ) .